فصل: كتاب الطلاق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ***


كتاب الطلاق

كتاب الطلاق لما كان الطلاق متأخرا عن النكاح طبعا أخره وضعا ليوافق الوضع الطبع وإنما ذكر كتاب الرضاع بينهما لمناسبة بين الرضاع والطلاق من جهة أن كلا منهما يوجب الحرمة إلا أن ما بالرضاع يوجب حرمة مؤبدة فقدمه على ما يوجب حرمة ليست بمؤبدة بل مغياة بغاية معلومة ‏,‏ والطلاق اسم بمعنى المصدر من طلق الرجل امرأته تطليقا كالسراح والسلام من التسريح والتسليم ‏,‏ أو مصدر طلقت بضم اللام وفتحها طلاقا ‏.‏ وعن الأخفش نفي الضم ‏.‏ وفي ديوان الأدب أنه لغة ‏,‏ وسببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق ‏,‏ وشرطه كون الزوج مكلفا والمرأة منكوحة ‏,‏ أو في عدة تصلح معها محلا للطلاق ‏,‏ وحكمه وقوع الفرقة مؤجلا بانقضاء العدة في الرجعي ‏,‏ وبدونه في البائن ‏,‏ وركنه نفس اللفظ ‏,‏ ومحاسنه منها ‏:‏ ثبوت التخلص به من المكاره الدينية والدنيوية ومنها جعله بيد الرجال لا النساء وشرعه ثلاثا وأما وضعه فالأصح حظره إلا لحاجة كما في الفتح وهو في اللغة عبارة عن رفع القيد مطلقا يقال أطلق الفرس والأسير ولكن استعمل في النكاح بالتفعيل ‏,‏ وفي غيره بالأفعال ‏;‏ ولهذا في قوله لامرأته أنت مطلقة بالتشديد لا يحتاج فيه إلى النية وبتخفيفها يحتاج كما في التبيين ‏.‏ وفي الشريعة ‏(‏ هو ‏)‏ أي الطلاق ‏(‏ رفع القيد الثابت شرعا ‏)‏ خرج به القيد الثابت حسا كحل الوثاق ‏(‏ بالنكاح ‏)‏ خرج به رفع قيد غيره كرفع قيد الملك بالعتاق ‏,‏ وكذلك خرج به القيد الثابت حسا ولا حاجة بقوله شرعا ‏,‏ تدبر ‏.‏ واعلم أن هذا التعريف منقوض طردا وعكسا أما طردا فبالفسوخ لأنها ليست بطلاق فقد وجد الحد ولم يوجد المحدود وأما عكسا فبالطلاق الرجعي فإنه ليس فيه رفع القيد فقد انتفى الحد ولم ينتف المحدود ‏,‏ والأولى أن يقول رفع قيد النكاح بلفظ مخصوص كما في الفتح ‏;‏ لأنه ما اشتمل على مادة ‏:‏ ‏"‏ طالق ‏"‏ صريحا ‏,‏ ولو كان رجعيا ‏;‏ لأنه طلاق في المآل ‏,‏ أو كناية كمطلقة بالتخفيف وخرج ما عداهما فقول بعضهم ‏:‏ رفع قيد النكاح من أهله في محله غير مطرد أيضا لصدقه على الفسوخ واشتماله على ما لا حاجة إليه فإن كونه من الأهل في المحل من شرط وجوده لا دخل له في حقيقته ‏,‏ والتعريف لمجردها ‏,‏ ثم اعلم أن الطلاق على قسمين ‏:‏ سني وبدعي والسني نوعان سني من حيث الوقت وسني من حيث العدد وهو أحسن وحسن والبدعي بدعي من حيث الوقت وبدعي من حيث العدد وبدأ بالأحسن ‏;‏ لشرفه فقال ‏(‏ أحسنه ‏)‏ أي أحسن الطلاق بالنسبة إلى البعض الآخر لا أنه في نفسه حسن ‏(‏ تطليقها واحدة في طهر لا جماع فيه وتركها حتى تمضي عدتها ‏)‏ ‏;‏ لما روي أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يستحبونه لكونه أبعد من الندم وأقل ضررا بالمرأة ولم يقل أحد إنه مكروه إذا كان لحاجة ومن الناس من قال ‏:‏ لا يباح إلا لضرورة لقوله عليه الصلاة والسلام ‏:‏ ‏"‏ن أبغض المباحات عند الله تعالى الطلاق‏"‏ لكن فيه كلام ‏;‏ لأن كون الطلاق مبغوضا لا يستلزم ترتب لازم المكروه الشرعي إلا لو كان مكروها بالمعنى الاصطلاحي ولا يلزم من وصفه بالبغض الكراهة إلا إذا لم يصفه بالإباحة وقد وصفه بها ‏;‏ لأن أفعل التفضيل بعض ما أضيف إليه وغاية ما فيه أنه مبغوض إليه سبحانه ولم يرتب عليه ما رتب على المكروه كما في الفتح ودليل نفي الكراهة قوله تعالى ‏{‏ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ‏}‏ ‏"‏وطلاقه عليه الصلاة والسلام حفصة ‏,‏ ثم أمره سبحانه وتعالى أن يراجعها فإنها صوامة قوامة‏"‏ وبه يبطل قول بعض ‏:‏ لا يباح إلا لكبر كطلاق سودة وأما ما روي ‏"‏لعن الله كل ذواق مطلاق‏"‏ وأشباهه فمحمول على الطلاق لغير حاجة بدليل ما روي من قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ أيما امرأة اختلعت من زوجها بغير نشوز فعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين‏"‏ ‏(‏ وحسنه وهو سني ‏)‏ أي ثابت بالسنة كما في الاصطلاح ولا وجه لتخصيصه ‏;‏ لأن أحسن الطلاق سني أيضا كما في الفتح وغيره لكن لأن الأحسن سني بالإجماع لم يحتج إلى التصريح وصرح بكون الحسن سنيا احترازا عن قول مالك ‏:‏ إنه ليس بسني لا لأنه عندنا سني دون الأول تأمل ‏(‏ تطليقها ثلاثا في ثلاثة أطهار لا جماع فيها إن كانت مدخولا بها ‏)‏ لقوله تعالى ‏{‏ فطلقوهن ‏}‏ ‏"‏ وأمره عليه الصلاة والسلام ابن عمر بأن يراجع ويطلق لكل قرء واحدة‏"‏ ولا بدعة فيما أمر هذا حجة على قول مالك ‏:‏ إنه بدعة ولا يباح إلا واحدة ‏(‏ ولغيرها ‏)‏ أي لغير المدخول بها ‏(‏ طلقة ‏,‏ ولو ‏)‏ كانت الطلقة ‏(‏ في الحيضة ‏)‏ وهو سني من حيث العدد ومن حيث الوقت أيضا ولا يمنع كونه في الحيض كونه سنيا ‏;‏ لأن السني من حيث الوقت طلقة في طهر لا وطء فيه مخصوص بالمدخول بها ‏,‏ وفي غيرها لا يضر كونه في الحيض ‏;‏ لأن غير المدخول بها لا تقل الرغبة فيها بالحيض ‏;‏ لأن الإنسان شديد الرغبة في امرأة لم ينل منها فلا يكون إقدامه على طلاقها إلا لحاجة بخلاف المدخول بها فإن الرغبة فيها تقل بالحيض فلم يوجد دليل الحاجة إلى طلاقها ‏.‏ وقال زفر يضر ويكره في الحيض قياسا على المدخول بها ‏.‏ وفي الهداية وغيرها ويستوي من حيث العدد المدخول بها وغير المدخول بها ‏.‏ انتهى ‏,‏ لكن الاستواء بينهما مطلقا متعذر فإن السني من حيث العدد في المدخول بها يثبت بقسمين أن يطلقها واحدة وأن يلحقها بأخريين عند الطهرين ولا يتصور ذلك في غير المدخول بها إذ لا عدة لها كما يأتي ‏,‏ تأمل ‏.‏

الطلاق البدعي على نوعين

واعلم أن البدعي على نوعين بدعي لمعنى يعود إلى العدد وبدعي يعود إلى الوقت وقد بدأ بالأول فقال ‏(‏ وبدعيه ‏)‏ أي بدعي الطلاق عددا ‏(‏ تطليقها ثلاثا ‏,‏ أو ثنتين بكلمة واحدة ‏)‏ مثل أن يقول أنت طالق ثلاثا ‏,‏ أو ثنتين وهو حرام حرمة غليظة وكان عاصيا لكن إذا فعل بانت منه وعند الشافعي هو مباح ‏,‏ واعلم أن في صدر الأول إذا أرسل الثلاث جملة لم يحكم إلا بوقوع واحدة إلى زمن عمر رضي الله تعالى عنه ‏,‏ ثم حكم بوقوع الثلاث لكثرته بين الناس تهديدا ‏(‏ أو في طهر واحد لا رجعة فيه إن ‏)‏ كانت ‏(‏ مدخولا بها ‏)‏ وقيد بقوله لا رجعة ‏;‏ لأنه إن تخللت الرجعة فلا يكره عند الإمام وهو قول زفر وعندهما يكره وإن تخلل التزوج بينهما فلا يكره بالإجماع وقيد المدخول بها ‏;‏ لأنها إن لم تكن فطلقها ثانيا في طهر لا يقع لأنها لا تبقى محلا للطلاق لعدم العدة عليها ‏(‏ أو في طهر جامعها فيه ‏)‏ هذا بدعي الطلاق وقتا وهو تطليقها واحدة في طهر جامعها فيه لكن عبارته قاصرة عن هذا ‏,‏ وفي عطفه على ما سبق صعوبة ‏,‏ تدبر ‏.‏ ‏(‏ وكذا ‏)‏ بدعيه وقتا ‏(‏ تطليقها في الحيض ‏)‏ لو كان مدخولا بها أما كون الأول بدعيا فلأنه خلاف السنة وأما الثاني فلقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏ قد أخطأ السنة‏"‏ ‏(‏ وتجب مراجعتها ‏)‏ إن طلق المدخولة في الحيض ‏,‏ ولو زاد فيه لكان أولى لأنه لو لم يراجعها فيه حتى طهرت تقررت المعصية كما في الفتح ‏(‏ في الأصح ‏)‏ عملا بحقيقة الأمر ورفعا للمعصية بالقدر الممكن برفع أثرها وهو العدة ‏(‏ وقيل تستحب ‏)‏ كما في القدوري ‏;‏ لأن النكاح مندوب ولا تكون الرجعة واجبة ‏(‏ فإذا طهرت ‏)‏ المراجع بها عن هذه الحيض ‏(‏ ثم حاضت ‏,‏ ثم طهرت طلقها إن شاء ‏)‏ ‏,‏ وإن شاء أمسكها هكذا ذكر في الأصل وهو ظاهر الرواية عن الإمام وهو قولهما ‏;‏ لأن حكم الطلاق الأول لم يضمحل من كل وجه ألا ترى أنه يجعل هذا طلاقا باينا فيكون جمعا بين طلاقين في فصل واحد وهو مكروه ‏(‏ وقيل ‏)‏ قائله الطحاوي ‏(‏ يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يلي تلك الحيضة ‏)‏ ‏.‏ وفي التحفة قال الكرخي ما ذكره الطحاوي قول الإمام وما ذكر في الأصل قولهما وما قال الإمام هو القياس لأنه طهر لم يجامعها فيه ‏.‏ وقال الإسبيجابي الأولى قول الإمام وزفر والثانية قول أبي يوسف وقول محمد مضطرب ‏.‏ وفي الفتح والظاهر أن ما في الأصل قول الكل ‏;‏ لأنه موضوع لإثبات مذهب الإمام إلا أن يحكي الخلاف ولم يحك خلافا فيه فلذا قلنا هو ظاهر الرواية عن الإمام وبه قال الشافعي في المشهور ومالك وأحمد على ما ذكره الطحاوي رواية عنه ‏.‏

باب إيقاع الطلاق

لما ذكر أصل الطلاق ووصفه شرع في بيان تنويعه من حيث الإيقاع ‏;‏ لأنه لا يخلو إما أن يكون بالصريح وإما أن يكون بالكناية والصريح ما كان ظاهر المراد لغلبة الاستعمال والكناية ما كان مستتر المراد فيحتاج فيه إلى النية فقال ‏:‏ ‏(‏ صريحه ‏)‏ أي الطلاق ‏(‏ ما استعمل فيه ‏)‏ أي الطلاق ‏(‏ خاصة ‏)‏ أي حال كونه مخصوصا بالطلاق بين الألفاظ ‏(‏ ولا يحتاج إلى نية ‏)‏ لأن الصريح موضوع للطلاق شرعا فكان حقيقة فيه فاستغنى عن النية حتى لو نوى بشيء من ذلك الطلاق من القيد لا يصدق قضاء ‏;‏ لأنه خلاف الظاهر ويصدق ديانة لاحتمال كلامه ذلك بخلاف ما إذا صرح ‏,‏ وقال أنت طالق من وثاق فلا يقع عليها شيء في القضاء ‏;‏ لأنه صريح بما يحتمله اللفظ ‏,‏ ولو نوى الطلاق عن العمل لا يصدق قضاء ولا ديانة ‏;‏ لعدم استعمال الطلاق فيه لا حقيقة ولا مجازا ‏,‏ ولو قال أنت طالق من هذا العمل يقع الطلاق قضاء لا ديانة ‏(‏ وهو ‏)‏ أي صريح الطلاق ‏:‏ ‏(‏ أنت طالق ومطلقة وطلقتك ‏)‏ بتشديد اللام فيهما وهذا يدل على أن لا صريح سوى ذلك وليس بمراد والأولى أن يقول كانت طالق كما في الكنز لإشعار الكاف بعدم الحصر ‏,‏ تدبر ‏.‏ وفي القهستاني ‏.‏ وفي المنية يدخل نحو ‏"‏ وسوبيا طلاغ ‏,‏ أو تلاع ‏,‏ أو تلاغ أو طلاك ‏"‏ بلا فرق بين الجاهل والعالم على ما قال الفضلي ‏,‏ وإن قال ‏:‏ تعمدته تخويفها لا يصدق قضاء إلا بالإشهاد عليه ‏,‏ وكذا أنت ‏"‏ ط ل ا ق ‏"‏ ‏,‏ أو ‏"‏ طلاق باش ‏"‏ ‏,‏ أو ‏"‏ طلاق شو ‏"‏ كما في الخلاصة ولم يشترط علم الزوج معناه فلو لقنه الطلاق بالعربية فطلقها بلا علم به وقع قضاء كما في الظهيرية والمنية ‏.‏ وفي الفتح لو طلق النبطي بالفارسية يقع ‏,‏ ولو تكلم به العربي ولا يدريه لا يقع وفيه نوع مخالفة لما قبلها إلا أن في الأولى يريد الزوج الطلاق بهذا اللفظ وإن لم يعلم معناه بخلاف الثانية فلا مخالفة ‏,‏ تدبر ‏.‏ ‏(‏ وتقع بكل منها ‏)‏ ‏,‏ أو من هذه الألفاظ وما في معناها من ألفاظ الصريح طلقة ‏(‏ واحدة رجعية ‏)‏ لأنها مستعملة في الطلاق لا في غيره فكانت صريحة يعقب الرجعة بالنص وهو قوله تعالى ‏{‏ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ‏}‏ ‏,‏ الآية ‏,‏ فقوله إمساك هو الرجعة فالتعبير بالإمساك يدل على بقاء النكاح ما دامت العدة باقية ‏;‏ لأن الإمساك استدامة القائم لا إعادة الزائل ‏.‏ وفي المحيط قال أنت طال بترخيم القاف حالة الرضا لا يقع ما لم ينو ‏;‏ لأنه كالكناية ‏,‏ ولو قال يا طال يقع وإن لم ينو ‏;‏ لأن الترخيم يجري كثيرا في المنادى فصار كأنه أفصح بالقاف ‏.‏ ‏(‏ وإن ‏)‏ وصلية ‏(‏ نوى أكثر ‏)‏ من واحدة ‏;‏ لأن الطلاق لم يذكر بل ثبوته بطريق الاقتضاء والمقتضى يثبت بقدر الضرورة ‏,‏ ولا ضرورة في الأكثر بل تندفع بالأقل المتيقن ‏.‏ وقال زفر والأئمة الثلاثة يقع ما نوى وهو قول الإمام أولا ‏,‏ ثم رجع عنه ‏;‏ لأن الأكثر محتمل لفظه ‏;‏ لأن ذكر الطالق ذكر للطلاق لغة كذكر العالم ذكر للعلم وفيه أجوبة وأسئلة في الأصول وشروح الهداية فليطالع ‏(‏ أو ‏)‏ نوى واحدة ‏(‏ بائنة ‏)‏ ‏;‏ لأنه خالف الشرع حيث قصد بنيتها تنجيز ما علقه الشارع فيلغو قصده ‏(‏ وقوله ‏)‏ معطوف على قوله طلقتك ‏(‏ أنت الطلاق ‏,‏ أو أنت طالق الطلاق ‏,‏ أو أنت طالق طلاقا ‏)‏ ‏,‏ وكذا أنت مطلقة أو تطليقة ‏,‏ أو طلقتك طلاقا ‏,‏ أو بالفارسية ‏"‏ تو طلاقي ‏"‏ ‏,‏ أو ‏"‏ وسوبيا طلاق طلاق ‏"‏ ‏,‏ أو ‏"‏ تو طلاق داده ‏"‏ ‏,‏ أو ‏"‏ دادمت طلاق ‏"‏ كما في القهستاني ‏(‏ يقع بكل منها واحدة رجعية وإن ‏)‏ وصلية ‏(‏ نوى ‏)‏ بالمصدر ‏(‏ ثنتين ‏,‏ أو بائنة ‏)‏ أما وقوع الطلاق باللفظة الأولى فلأن المصدر يذكر ويراد به الاسم يقال رجل عدل أي عادل ويكون المعنى أنت ذات الطلاق وأما بالثانية والثالثة فظاهر ‏;‏ لأن بذكر النعت وحده وهو طالق يقع فبذكر المصدر معه معرفا ‏,‏ أو منكرا أولى فلا يحتاج فيه إلى النية ‏;‏ لأنه صريح فيه ويكون رجعيا ولا تصح نية الثنتين ‏;‏ لأن جنس الطلاق ليس بمثنى إلا في الأمة فلو نوى به الثنتين في تطليق الأمة يقع ثنتان ‏,‏ وقال زفر والشافعي يقع ما نوى من الأعداد وزاد في بعض النسخ الغير المعول عليها قوله ‏:‏ وإن نوى بانت طالق واحدة وبطلاق أخرى وقعتا ‏;‏ لأن كل واحد منهما يصلح للإيقاع بإضمار أنت فصار أنت طالق أنت طالق فيقع رجعيتان إذا كانت مدخولا بها وإلا لغا الثاني كما في أكثر المعتبرات فعلى هذا ليست هذه المسألة أن تكون في النسخة المعول عليها إلا أن هذا منقول عن أبي يوسف وأبي جعفر ومنعه فخر الإسلام فتركها لتردده ‏,‏ تدبر ‏.‏ ‏(‏ وإن نوى الثلاث وقعن ‏)‏ ‏;‏ لأن اللفظ مفرد فلا بد من مراعاته غير أن الفرد نوعان فرد حقيقي وهو أدنى الجنس وفرد حكمي وهو جميع الجنس فأيهما نوى صحت نيته ‏;‏ لأن اللفظ يحتمله ولا كذلك التثنية كما بيناه ‏.‏ وفي المبسوط إذا قال لآخر أخبر امرأتي بطلاقها فهي طالق سواء أخبرها به ‏,‏ أو لا ‏;‏ لأن حرف الباء للإلصاق فيكون معناه أخبرها بما أوقعت عليها من الطلاق موصولا بالإيقاع وذلك يقتضي إيقاعا سابقا ‏,‏ وكذا لو قال احمل إليها طلاقها ‏,‏ أو بشرها بطلاقها فهي طلاق بلغها ‏,‏ أو لا ‏,‏ وكذا لو قال أخبرها أنها طالق ‏,‏ أو قل لها إنها طالق ‏.‏

فصل يعني في إضافة الطلاق إلى الزمان اعلم أن كتاب الطلاق صنف من هذا العلم وما تحته صنف مترجم بالباب والباب تحته صنف مسمى بالفصل والكل تحت الصنف الذي هو نفس العلم المدون فإنه صنف عال والعلم مطلقا بمعنى الإدراك جنس وتحته من اليقين والظن نوع كما في المطلب ‏(‏ قال ‏)‏ لامرأته ‏(‏ أنت طالق غدا ‏,‏ أو في غد يقع ‏)‏ الطلاق ‏(‏ عند الصبح ‏)‏ لأنه وصفها بالطلاق في جميع الغد في الأول ‏;‏ لأن جميعه هو مسمى الغد فتعين الجزء الأول لعدم المزاحم وفي الثاني وصفها في جزء منه وأفاد أنه إذا أضافه إلى وقت فإنه لا يقع للحال وهو قول الشافعي وأحمد خلافا لمالك فإنه قال يقع في الحال وهو منقوض بالتدبر ‏.‏ ‏(‏ وإن نوى الوقوع وقت العصر ‏)‏ في قوله غدا ‏(‏ صحت ديانة ‏)‏ لا قضاء ‏;‏ لأنه أضاف الطلاق إلى الغد والغد اسم لجميع أجزاء اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فإذا عنى الوقوع في بعض أجزاء اليوم دون الجميع كان خلاف الظاهر لإرادة التخصيص من العموم فلا يصدق ولكن يصدق ديانة ‏;‏ لاحتمال كلامه ذلك لأن العام يحتمل الخصوص وهو آخر النهار فإن قيل ‏:‏ العام ما يتناول أفرادا متفقة الحدود ولفظ غدا ليس كذلك فإنه نكرة في موضع الإثبات فلا يكون من صيغ العموم أجيب بأن هذا من باب تنزيل الأجزاء منزلة الأفراد مجازا كما في المطلب ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ إن نوى الوقوع وقت العصر ‏(‏ في الثاني ‏)‏ أي في غد ‏(‏ يصدق ‏)‏ قضاء ‏(‏ أيضا ‏)‏ أي كما يصدق ديانة عند الإمام ‏;‏ لأنه حقيقة كلامه ‏;‏ لأن الظرف لا يوجب استيعاب المظروف وإنما يتعين الجزء الأول عند عدم النية ‏;‏ لعدم المزاحمة ‏(‏ خلافا لهما ‏)‏ فإن عندهما هو والأول سواء ‏;‏ لأن المراد منهما الظرفية فإن نصب غدا على الظرفية فلا فرق وجوابه أن قوله غدا للاستيعاب ‏;‏ لأنه شابه المفعول به ونظيره قوله لا أكلمك شهرا ‏,‏ وفي الشهر ودهرا ‏,‏ وفي الدهر وإن كان للاستيعاب فإذا نوى البعض فقد نوى التخصيص وهو خلاف الظاهر كما بيناه أما إذا عين آخر النهار فكان التعيين القصدي أولى من الضروري ‏,‏ وعلى هذا الخلاف ‏:‏ أنت طالق في رمضان ونوى آخره ‏.‏ وفي المنح ومما يتفرع على حذف في وإثباتها لو قال ‏:‏ أنت طالق كل يوم تقع واحدة وعند زفر ثلاثا في ثلاثة أيام ‏,‏ ولو قال في كل يوم طلقت ثلاثا في كل يوم واحدة إجماعا كما لو قال عند كل يوم أو كلما مضى يوم ‏.‏ وفي الخلاصة أنت طالق مع كل يوم تطليقة فإنها تطلق ثلاثا ساعة حلف ‏(‏ ولو قال ‏:‏ أنت طالق اليوم غدا ‏,‏ أو غدا اليوم يعتبر الأول ذكرا ‏)‏ حتى يقع في الأول في اليوم ‏,‏ وفي الثاني في غد ‏;‏ لأنه حين ذكره ثبت حكمه تنجيزا ‏,‏ أو تعليقا فلا يحتمل التغيير بذكر الثاني لأن المعلق لا يقبل التنجيز ولا المنجز التعليق بخلاف ما إذا قال ‏:‏ أنت طالق اليوم إذا جاء غد حيث لا يقع قبل غد ‏;‏ لأنه تعليق لمجيء غد فلا يقع قبله وذكر اليوم لبيان وقت التعليق لكن فيه أسئلة وأجوبة فليطالع في الفتح وغيره هذا إذا لم يعطف بالواو ‏,‏ ولو عطف بها بأن قال أنت طالق اليوم وغدا ‏,‏ أو أنت طالق غدا واليوم تقع واحدة في الأولى وفي الثانية ثنتان ‏.‏ وقال زفر تقع واحدة ‏,‏ ولو كرر الشرط بأن قال إذا جاء غد وإذا جاء غد يقع بكل واحدة منهما والتفصيل في التسهيل فليطالع ‏.‏ وفي التبيين لو قال أنت طالق آخر النهار وأوله تطلق ثنتين ولو عكس تطلق واحدة ‏.‏

فصل في شبه الطلاق ووصفه ‏,‏ ذكره بعد أصله وتنويعه ‏;‏ لكونه تابعا ‏,‏ ‏(‏ لو قال لها أنت طالق هكذا ‏)‏ حال كونه ‏(‏ مشيرا بأصابعه ‏)‏ المنشورة بقدر الطلاق ‏(‏ وقع بعددها ‏)‏ فبالأصبع الواحدة واحدة وبالاثنين اثنتان وبالثلاث ثلاث والأصبع يذكر ويؤنث ‏;‏ لأن الإشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد المبهم قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏الشهر هكذا وخنس إبهامه‏"‏ وأراد في النوبة الثالثة التسعة وعليه العرف ‏.‏ وفي المحيط أنه لو أشير بلا ذكر العدد المبهم لم يقع إلا واحدة ‏(‏ فإن أشار ببطونها ‏)‏ بأن يجعل باطن الكف إليها ‏(‏ تعتبر ‏)‏ عدد الأصابع ‏(‏ المنشورة و ‏)‏ إن أشار ‏(‏ بظهورها ‏)‏ بأن يجعل باطن الكف إلى نفسه ‏(‏ تعتبر المضمومة ‏)‏ صرح به مع أنه علم ضمنا ‏;‏ لأنه قال تعتبر المنشورة مطلقا احترازا عنه ‏,‏ ولو نوى الإشارة بالمضمومتين صدق ديانة لا قضاء ‏,‏ وكذا لو نوى الإشارة في الكف والإشارة بالكف أن تقع الأصابع كلها منشورة وهذا هو المعتمد ‏.‏ وفي الإصلاح بقي هاهنا احتمال وهو أن يكون رءوس الأصابع نحو المخاطب فالوجه الشامل ما قيل إن كان نشرا عن ضم فالعبرة للنشر وإن كان ضما عن نشر فالعبرة للضم وقيل إن كان بطن كفه إلى السماء فالمنشور وإن كان إلى الأرض فالمضموم ‏.‏ ‏(‏ ولو وصف الطلاق بضرب من الشدة ‏)‏ والزيادة بأن قال أنت طالق بائن ‏(‏ أو ألبتة ‏)‏ ‏.‏ وقال الشافعي يقع رجعيا إذا كان بعد الدخول ‏;‏ لأن صريح الطلاق معقب للرجعة بالإجماع ووصفه بالبائن وألبتة خلاف المشروع فلا يصح كما في ‏:‏ أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك وأجيب بمنع مسألة الرجعة وبأنه وصفه بما يحتمله فلا يكون تعبيرا له تبيينا ‏(‏ أو ‏)‏ قال ‏(‏ أفحش الطلاق أو أخبثه ‏,‏ أو أشده ‏)‏ ‏,‏ أو أسوأه وتوصيف الطلاق بهذه الأوصاف إنما يكون باعتبارها أثر وهو البينونة في الحال ولا يرد عليه أن الشديد والفاحش والخبيث هو البائن فينبغي أن يكون الواقع بأفعل التفضيل الثلاث نوى أو لم ينو ‏;‏ لأن أفعل التفضيل قد يكون لإثبات أصل الوصف من غير زيادة كقوله تعالى ‏{‏ وبعولتهن أحق بردهن ‏}‏ ‏(‏ أو طلاق الشيطان ‏)‏ كقوله أنت طالق طلاق الشيطان ‏(‏ أو البدعة ‏)‏ وكل من هذين الوصفين ينبئ عن البينونة ‏;‏ لأن السني هو الرجعي فيكون البدعي في غير حالة الحيض بائنا وعن أبي يوسف في قوله أنت طالق للبدعة أنه لا يكون بائنا إلا بالنية وعن محمد يكون رجعيا ‏,‏ وكذا طلاق الشيطان عنده ‏(‏ أو كالجبل ‏)‏ وغيره قال أبو يوسف إذا قال كالجبل ‏,‏ أو مثل الجبل يكون رجعيا ‏;‏ لأن الجبل شيء واحد فكان تشبيها له في توحده ‏,‏ ولو قال ‏:‏ مثل عظم الجبل تقع واحدة بائنة بالاتفاق كما في الغاية ولا يفرق بعض بين قوله مثل الجبل ومثل عظم الجبل فقال ما قال ‏,‏ تتبع ‏.‏ ‏(‏ أو كألف ‏)‏ ‏.‏ وعن محمد أنه يقع الثلاث عند عدم النية ‏;‏ لأنه عدد فيراد به التشبيه في العدد ظاهرا فصار كقوله كعدد ألف أو قدر عدد ألف وفيه يقع الثلاث اتفاقا وعنه لو قال أنت طالق كالنجوم تقع واحدة ‏;‏ لأنه يحتمل التشبيه في الضياء والنور ‏,‏ ولو قال ‏:‏ كعدد النجوم يقع ثلاثا عنده ‏,‏ ولو قال ‏:‏ مثل التراب تقع واحدة رجعية عنده ‏,‏ ولو قال ‏:‏ عدد التراب يقع ثلاثا عنده خلافا لأبي يوسف هو يقول لا عدد للتراب ‏,‏ ولو قال أنت طالق كثلاث فهي واحدة بائنة عند أبي يوسف وثلاث عند محمد كما لو قال ‏:‏ كعدد ثلاث ولو قال ‏:‏ عدد الرمل فهي ثلاث إجماعا والأصل في هذا أن الطلاق متى شبه بشيء يقع بائنا عند الإمام سواء كان المشبه به صغيرا ‏,‏ أو كبيرا ‏,‏ أو ذكر مع المشبه به العظم ‏,‏ أو لا وعند أبي يوسف إن ذكر العظم يكون بائنا وإلا فلا وعند زفر إن وصف المشبه به بالشدة ‏,‏ أو بالعظم كان بائنا وإلا فهو رجعي وقيل محمد مع الإمام وقيل مع أبي يوسف قيدنا بضرب من الزيادة ‏;‏ لأنه لو وصفه بما لا ينبئ عن زيادة كقوله أحسن الطلاق ‏,‏ أو أسنه أو أعدله له يقع رجعيا اتفاقا ولو أضافه إلى عدد معلوم النفي كعدد شعر بطن كفي ‏,‏ أو مجهول النفي والإثبات كعدد شعر إبليس ونحوه تقع واحدة أو من شأنه الثبوت لكنه زائل وقت الحلف بعارض كعدد شعر ساقي ‏,‏ أو ساقك وقد تنورا لا يقع شيء لعدم الشرط ولو قال ‏:‏ عدد ما في الحوض من سمك وليس في الحوض سمك تقع واحدة ‏.‏ وفي شرح الكنز كالثلج بائن عند الإمام وعندهما إن أراد بياضه فرجعي وإن أراد به برده فبائن وهذا يقتضي أن أبا يوسف لا يقتصر البينونة في التشبيه على ذكر العظم بل يقع بدونه عند قصد الزيادة كما في الفتح ‏,‏ ولو قال أنت طالق لا قليل ولا كثير يقع ثلاثا ‏,‏ ولو قال لا كثير ولا قليل تقع واحدة فيثبت ما نفاه أولا ‏;‏ لأنه يثبت بالنفي ضد المنفي فلا يرتفع ‏(‏ أو ملء البيت أو تطليقة شديدة ‏,‏ أو طويلة ‏,‏ أو عريضة وقع واحدة بائنة ‏)‏ إن لم يكن له نية أو نوى واحدة ‏.‏ ‏(‏ وكذا إن نوى الثنتين ‏)‏ في غير الأمة كانت واحدة بائنة لما مر من أن الجنس لا يحتمل العدد ‏(‏ إلا إذا نوى بقوله ‏:‏ طالق واحدة وبقوله ‏:‏ بائن ‏,‏ أو ألبتة ‏)‏ طلقة ‏(‏ أخرى فيقع بائنان ‏)‏ ‏;‏ لأنه نوى محتمل كلامه ‏;‏ لأن بائن في هذا خبر بعد خبر فصار كما لو قال أنت طالق أنت بائن فإن قيل ينبغي أن تقع طلقتان إحداهما رجعية ‏;‏ لأن أنت طالق يقتضي الرجعية أجيب بأن الثاني لما كان بائنا لم يفد بقاء الأول رجعيا فكان بائنا بحكم الضرورة ‏(‏ وصحت نية الثلاث في الكل ‏)‏ ‏;‏ لأن البينونة على نوعين ‏:‏ خفيفة وغليظة فإذا نوى الثلاث فقد نوى أغلظ النوعين وأعلاهما فصحت نيته ‏.‏ وقال العتابي ‏:‏ الصحيح أنه لا تصح نية الثلاث في أنت طالق تطليقة شديدة ‏,‏ أو عريضة ‏,‏ أو طويلة ‏;‏ لأنه نص على التطليقة وأنها تتناول الواحدة ونسبه إلى شمس الأئمة ورجح بأن النية إنما تعمل في المحتمل وتطليقة بتاء الوحدة لا يحتمل الثلاث كما في الفتح لكن لم لا يجوز أن تكون التاء لمعنى آخر ‏,‏ تدبر ‏.‏

فصل في طلاق غير المدخول بها ‏(‏ طلق غير المدخول بها ‏)‏ بأن قال أنت طالق ‏(‏ ثلاثا وقعن ‏)‏ لأن الواقع عند ذكر العدد مصدر محذوف موصوف بالعدد أي تطليقا ثلاثا فيقعن جملة وقيل تقع واحدة لأنها تبين بقوله ‏:‏ أنت طالق لا إلى عدة فقوله ثلاثا يصادفها وهي أجنبية فصار كما لو عطف والجمهور على خلافه ونص محمد ‏,‏ وقال ‏:‏ بلغنا ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وعن علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ولا ينافي قول الإنشاء أن يكون عند ذكر العدد بتوقف الوقوع وكونه وصفا لمحذوف أما لو قال ‏:‏ أوقعت عليك ثلاث تطليقات فإنه يقع الثلاث عند الكل ‏.‏ وفي الدرر أن ما نقل عن المشكلات أنه طلق امرأته ثلاثا قبل الدخول لا تقع ‏;‏ لأن الآية نزلت في حق الموطوءة بأصل ‏,‏ منشؤه الغفلة عن القاعدة المقررة في الأصول أن خصوص سبب النزول غير معتبر عندنا خلافا للشافعي ‏,‏ انتهى ‏.‏ فعلى هذا لو قال ‏:‏ أنت طالق ثلاثا لكان أولى ‏;‏ لأن فيها إشارة إلى الخلاف بخلاف ما قال ‏,‏ تأمل ‏.‏ ‏(‏ وإن فرق ‏)‏ الزوج الطلاق بأن قال لغير المدخول بها أنت طالق ‏,‏ طالق ‏,‏ طالق ‏,‏ أو أنت طالق ‏,‏ أنت طالق ‏,‏ أنت طالق ‏(‏ بانت ‏)‏ المرأة ‏(‏ با ‏)‏ التطليقة ‏(‏ الأولى ‏)‏ لا إلى عدة ‏(‏ ولا تقع الثانية ‏)‏ لانتفاء الحمل ‏.‏

فصل في كنايات الطلاق

فصل في الكنايات ‏:‏ ‏(‏ وكنايته ‏)‏ أي الطلاق عطف على ما ذكر من الصريح وهو في اللغة مصدر كنى أو كناية عن كذا يكنى ‏,‏ أو يكنو إذا تكلم بشيء يستدل به على غيره ‏,‏ أو يراد به غيره ‏,‏ وفي علم البيان لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك المعنى منه وقيل لفظ يقصد بمعناه معنى ثان ملزوم له ‏,‏ وفي الشريعة ما استتر في نفسه معناه الحقيقي ‏,‏ أو المجازي فإن الحقيقة المهجورة كناية كالمجاز غير الغالب وكناية الطلاق ‏(‏ ما ‏)‏ أي لفظ ‏(‏ احتمله ‏)‏ أي الطلاق ‏(‏ وغيره ‏)‏ فيستتر المراد منه في نفسه فإن البائن مثلا يراد منه المنفصل عن وصلة النكاح ‏,‏ وفي الدلالة عليه خفاء زال بقرينة ‏(‏ ولا يقع بها ‏)‏ أي ولهذا لا يقع الطلاق بالكنايات قضاء ‏(‏ إلا بنية ‏)‏ أي بنية الزوج ‏,‏ أو الطلاق مضافا إلى الفاعل ‏,‏ أو المفعول ‏(‏ أو دلالة حال ‏)‏ ‏;‏ لأنها غير موضوعة للطلاق بل موضوعة لما هو أعم منه والمراد بدلالة الحال الحالة الظاهرة المفيدة لمقصوده وفيه إشارة إلى أن الكنايات غير مؤثرة بدون النية ودلالة الحال ‏.‏ وقال الشافعي ‏:‏ لا اعتبار بالدلالة بل لا بد من النية ‏;‏ لأنه لا يبعد أن يضمر خلاف الظاهر ولنا أن الحال أقوى دلالة من النية ‏;‏ لأنها ظاهرة والنية باطنة كما في التبيين ثم الكناية على قسمين ذكر الأول بقوله ‏(‏ فمنها ‏)‏ أي من الكنايات ‏(‏ اعتدي ‏)‏ فإنها تحتمل الاعتداد عن النكاح والاعتداد بنعم الله تعالى فإن نوى الأول تعين ويقتضي طلاقا سابقا والطلاق يعقب الرجعة ولا يخفى أن القول بالاقتضاء وثبوت الرجعة فيما قاله بعد الدخول أما قبله فهو مجاز عن كوني طالقا باسم الحكم عن العلة لا المسبب عن السبب كما قال الزيلعي ليرد عليه أن شرطه اختصاص المسبب بالسبب والعدة لا تختص بالطلاق ‏;‏ لثبوتها في أم الولد إذا أعتقت وما أجيب به من أن ثبوتها فيما ذكر لوجود سبب ثبوتها في الطلاق وهو الاستبراء لا بالأصالة فغير دافع سؤال عدم الاختصاص كما في الفتح ‏:‏ ‏(‏ واستبرئي ‏)‏ بكسر الهمزة قبل الياء ‏(‏ رحمك ‏)‏ ‏;‏ لأنه تصريح بما هو المقصود من العدة وهو تعرف براءة الرحم فاحتمل استبراءه ‏,‏ لأني طلقتك أو لأطلقك يعني إذا علمت خلوه عن الولد وعلى الأول يقع وعلى الثاني لا فلا بد من النية ولا يخفى أنها قبل الدخول مجاز عن كوني طالقا كاعتدي ‏,‏ وكذا في الآيسة والصغيرة المدخول بها كما في الفتح ‏(‏ وأنت واحدة ‏)‏ عند قومك ‏,‏ أو منفردة عندي ليس لي معك غيرك ويحتمل أن يكون نعتا لمصدر محذوف ولا عبرة بإعراب واحدة عند عامة المشايخ وهو الصحيح ‏;‏ لأن عوام الأعراب لا يفرقون بين وجوه الإعراب لكن فيه دلالة على أن الخواص الذين يفرقون بين وجوهه يعتبرون فيه التفصيل المذكور ‏,‏ تدبر ‏,‏ وقيل إنما يقع بالسكون وأما إذا أعربت فإن رفعت لم يقع وإن نوى وإن نصبت وقع وإن لم ينو ‏(‏ يقع بكل منها ‏)‏ أي من الألفاظ الثلاثة ‏(‏ واحدة رجعية ‏)‏ وإن نوى ثنتين ‏,‏ أو ثلاثا ولم يذكر المصدر ‏;‏ لأنه قد ظهر أن الطلاق في هذه مقتضى ‏,‏ ولو كان مظهرا لا تقع به إلا واحدة رجعية فإذا كان مضمرا وأنه أضعف منه أولى أن لا يقع إلا واحدة رجعية ‏(‏ وما سواها ‏)‏ أي الألفاظ الثلاثة ‏(‏ يقع بها واحدة بائنة ‏)‏ وعند الشافعي الكنايات كلها رواجع ‏(‏ إلا أن ينوي ثلاثا فيقعن ‏)‏ ‏;‏ لأنها من نوعي البينونة عليها ‏,‏ وفي هذا الإطلاق نظر بل قد يقع رجعيا ببعض الكنايات ففي قوله أنا بريء من طلاقك يقع رجعيا إذا نوى بخلاف ما إذا قال من نكاحك ‏,‏ وكذا في وهبتك طلاقك إذا نوى يقع رجعيا ‏,‏ وكذا في خذي طلاقك أو أقرضتك ‏,‏ وفي قد شاء الله طلاقك ‏,‏ أو قضاه أو شئت يقع بالنية رجعيا كما في الفتح تأمل ‏(‏ ولا تصح نية الثنتين ‏)‏ ‏;‏ لأنه نية العدد فلا تصح في الجنس خلافا لزفر ‏,‏ ولذا لو كانت أمة صحت وقد قررناه ‏(‏ وهي ‏)‏ أي ألفاظ الكناية ما سوى الثلاثة ‏(‏ بائن ‏)‏ وهو نعت للمرأة من البين والبينونة وهي الفرقة فيحتمل أن يكون عن الطلاق وعن المعاصي وعن الخيرات وغيرها كما في أكثر الكتب لكن هذا الاحتمال بلفظ البينونة متعين وأما في بائن بعدم التاء لا يحتمل بل تعين الطلاق ‏,‏ إذ هو من الألفاظ المخصوصة بهن فلا بد فيه من التاء إلا أن يقال أمر التذكير والتأنيث فيه سواء ‏(‏ بتة ‏)‏ بالتشديد القطع عن النكاح ‏,‏ أو عن الخيرات ‏,‏ أو عن الأقارب ‏(‏ بتلة ‏)‏ كالبتة ‏(‏ حرام ‏)‏ وله معان كثيرة فيحتمل ما يحتمله ألبتة ‏(‏ خلية ‏)‏ بضم الخاء من الخلو أي خالية عن النكاح ‏,‏ أو الحسن ‏(‏ برية ‏)‏ مثل خلية ‏(‏ حبلك على غاربك ‏)‏ تمثيل ‏;‏ لأنه تشبيه بالصورة المنتزعة من أشياء وهي هيئة الناقة إذا أريد إطلاقها للرعي وهي ذات رسن فألقي الحبل على غاربها وهو ما بين السنام والعنق فشبه بهذه الهيئة الإطلاقية انطلاق المرأة من قيد النكاح ‏,‏ أو العمل ‏,‏ أو التصرف وصار كناية في الطلاق لتعدد صور الإطلاق ‏(‏ الحقي بأهلك ‏)‏ يحتمل بمعنى اذهبي حيث شئت لأني طلقتك ‏,‏ أو سيري بسيرة أهلك ‏(‏ وهبتك لأهلك ‏)‏ أي عفوت عنك لأجل أهلك ‏,‏ أو وهبتك لهم ‏;‏ لأني طلقتك ‏(‏ سرحتك فارقتك ‏)‏ يحتمل التسريح والمفارقة بالطلاق أو بغيره وعند الشافعي هما صريحان في الطلاق ‏(‏ أمرك بيدك ‏)‏ أي عملك فيحتمل أن يكون تفويضا منه الطلاق إليها وأن يكون إذنا في حق التصرف ‏(‏ اختاري ‏)‏ أي نفسك بالفراق في النكاح أو اختاري نفسك في أمر آخر ‏,‏ وفي هذين اللفظين لا تطلق حتى تختار نفسها لأنهما كناية عن التفويض فعلى هذا الأنسب أن لا يذكر في هذا المقام لأنه زعم بعض المفتين أنه يقع به الطلاق وأفتى به فضل وأضل ‏(‏ أنت حرة ‏)‏ عن رق النكاح ‏,‏ أو غيره ‏(‏ تقنعي ‏)‏ أي اتخذي قناعك ‏;‏ لأنك بنت أو كنت من الأجنبي ‏(‏ تخمري استتري ‏)‏ ‏,‏ ولو اكتفى به عن الأولين لفهم الحكم ‏(‏ اغربي ‏)‏ أي ابعدي عني ‏;‏ لأني طلقتك ‏,‏ أو لزيارة أهلك ويروى اعزبي من العزوبة وهي التجرد عن الزوج ‏(‏ اخرجي اذهبي ‏)‏ مثل اغربي ‏(‏ قومي ‏)‏ ‏,‏ ولو اكتفى به عن الأولين لفهم بالطريق الأولى ‏(‏ ابتغي الأزواج ‏)‏ لأني طلقتك أو الأزواج من النساء للمعاشرة ‏(‏ لو أنكر ‏)‏ الزوج ‏(‏ النية ‏)‏ بأن قال ‏:‏ لم أنو طلاقا ‏(‏ صدق مطلقا ‏)‏ أي ديانة وقضاء في جميعها ‏(‏ حالة الرضاء ‏)‏ للاحتمال وعدم دلالة الحال والقول قوله مع يمينه في عدم النية ‏.‏ وفي المجتبى ‏:‏ فعليه اليمين إن ادعت الطلاق وإن لم تدع أيضا يحلف حقا لله تعالى قال ابن سلمة ينبغي تحليفها إياه فإذا حلفته فحلف فهي امرأته وإلا رافعته إلى القاضي فإن نكل عن اليمين عنده فرق بينهما ‏(‏ ولا يصدق قضاء عند مذاكرة الطلاق ‏)‏ بأن سألت الطلاق أو سأله أجنبي ‏,‏ وفي تلك الحال لا يصدق قوله ‏(‏ فيما يصلح للجواب دون الرد ‏)‏ ‏;‏ لأن الظاهر أن مراده الطلاق عند سؤال الطلاق والحاكم يتبع الظاهر ‏(‏ ولا ‏)‏ يصدق قضاء في إنكاره أيضا ‏(‏ عند الغضب فيما يصلح للطلاق دون الرد والشتم ‏)‏ فيقع بما يصلح له دونهما الحاصل أن أحوال التكلم ثلاثة حالة الرضاء وحالة الغضب وحالة مذاكرة الطلاق ‏,‏ والكنايات ثلاثة أقسام ما يصلح ردا جوابا ولا يصلح ردا ولا شتما وهو اعتدي وأمرك بيدك واختاري وقد بينا أن اختاري وأمرك بيدك كنايتان عن التفويض لا يقع بهما الطلاق إلا بإيقاعها بعده حتى لا يدخل الأمر في يدها إلا بالنية وما يصلح جوابا وشتما ولا يصلح ردا وهو خلية برية بتة بائن حرام ومرادفها من أي لغة كان وما يصلح جوابا وردا ولا يصلح سبا وشتيمة وهو اخرجي اذهبي قومي اغربي تقنعي ومرادفها من أي لغة كان ولم يذكر حكم ما يصلح جوابا وردا ‏.‏ وفي الهداية ويصدق ‏;‏ لأنه احتمل الرد وهو الأدنى فحمل عليه ‏(‏ ويصدق ديانة في الكل ‏)‏ أي كل الكنايات مع اختلاف الحالات ‏;‏ لأن الله تعالى مطلع على النيات ‏.‏